ابن عجيبة

561

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : فَلا تَكُ يا محمد فِي مِرْيَةٍ . في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ المشركون ، أي : لا تشك في فساد ما هم فيه ، بعد ما أنزل عليك من حال الناس ، وتبيين ما لأهل السعادة الموحدين ، مما لأهل الشقاء المشركين ، ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ، وهو تعليل للنهي ، أي : ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم . أو ما يعبدون شيئا إلا مثل ما عبد آباؤهم من الأوثان ؛ تقليدا من غير برهان ، وقد بلغك ما لحق آباءهم من العذاب فسيلحقهم مثل ذلك ؛ لاتفاقهم في سبب الهلاك . وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ حظهم من العذاب ، كآبائهم ، غَيْرَ مَنْقُوصٍ من نصيبهم شئ . فالتوفية لا تقتضى التمام . تقول : وفيته حقه ، وتريد وفاء بعضه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : فلا تكن أيها العارف في مرية مما يعبد هؤلاء العوام ، من جمع الدنيا ، والتكاثر منها ، وصرف الهمة إلى تحصيلها ، واستعمال الفكر في أسباب جمعها ، وانهماك النفس في حظوظها وشهواتها . ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ، ممن سلك هذا المسلك الذميم ، وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ، بانحطاط درجتهم عن درجة المقربين . قال بعض الحكماء : دار الدنيا كأحلام المنام ، وسرورها كظل الغمام ، وأحداثها كصوائب السهام ، وشهواتها : كمشرب الشمام ، وفتنتها كأمواج الطوام . ه . ولما ذكر رسالة موسى عليه السّلام ، وشأن فرعون ووبال من تبعه ، ذكر نزول التوراة عليه ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 110 إلى 111 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) قلت : ( وإنّ كلّا لما ليوفينهم ) : إن : مخففة عاملة ، والتنوين في ( كلّا ) عوض عن المضاف . و « ما » : موصولة ، واللام : لام الابتداء ، و ( ليوفينهم ) : جواب لقسم محذوف ، وجملة القسم وجوابه : صلة « ما » ، أي : وإن كان الفريقين للذين ، واللّه ، ليوفينهم ربك أعمالهم . ومن قرأ : « لمّا » ؛ بالتشديد ، فعلى أن ( إن ) نافية ، و « لما » بمعنى إلا ، وقيل : غير هذا . يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ : التوراة ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ ؛ فآمن به قوم وكفر به قوم ، كما اختلف هؤلاء في القرآن ، وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي : كلمة الإنظار إلى يوم القيامة ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بإنزال ما يستحقه المبطل من الهلاك ، ونجاة المحق . وَإِنَّهُمْ أي : قوم موسى ، أو كفار قومك ، لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي : التوراة ، أو من القرآن ، مُرِيبٍ : موقع في الريبة . وَإِنَّ كُلًّا من